علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

303

ثمرات الأوراق

ورثت مالا جزيلا فأسرعت في إتلافه ، وأتلفته حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها ، ولم يبق لي حيلة ، وبقيت مدّة لا قوت لي إلا من بيع والدتي لما تغزله وتطمعني وتأكل منه ؛ فتمنيّت الموت . فرأيت ليلة في منامي كأن قائلا يقول لي : غناك بمصر فأخرج إليها ؛ فبكّرت إلى دار أبي عمر القاضي وتوسلت إليه بالجوار وبالخدمة ، وكان أبي قد خدمه أياما ، وسألته أن يزوّدني كتابا إلى مصر لأتصرّف فيها ، ففعل . وخرجت . فلمّا حصلت بمصر أوصلت الكتب وسألت التّصرف ، فسدّ اللّه عليّ باب الرزق حتى لم أظفر بتصرّف ، ولا لاح لي شغل ، ونفدت نفقتي ؛ فبقيت متفكرا في أن أسأل الناس ، فلم أستبح المسألة ، ولم يحملني الجوع عليها ، وأنا ممتنع ، إلى أن مضى من الليل صدر صالح ؛ فلقيني الطائف فقبض عليّ ، ووجدني غريبا فأنكر حالي ، فسألني فقلت : رجل ضعيف ، فلم يصدّقني وبطحني وضربني مقارع ، فصحت وقلت : أنا أصدقك . فقال : هات . فقصصت عليه قصّتي من أولها إلى آخرها وحديث المنام . فقال : ما رأيت أحمق منك ، واللّه لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم كأن رجلا يقول لي : ببغداد في الشارع الفلاني في المحلة الفلانية - قال فذكر شارعي ومحلتي - وأصغيت فأتمّ الشرطيّ الحديث ، فقال : دار يقال لها دار فلان - فذكر داري واسمي - وفيها بستان وفيها سدرة تحتها ثلاثون ألف دينار ، فامض وخذها ؛ فما فكرت في هذا الحديث ولا التفتّ إليه ؛ وأنت يا أحمق ، فارقت وطنك ، وجئت إلى مصر لسبب منام ! قال : فقوي قلبي ، وأطلقني الطائف ، فبت في مسجد ، وخرجت من الغد من مصر ، وقدمت بغداد ، فقلعت السدرة ، وأنرت مكانها ، فوجدت جرابا فيه ثلاثون ألف دينار . فأخذتها وأمسكت يدي ، ودبّرت أمري ، وأنا أعيش من تلك الدنانير ، ومن فضل ما ابتعته منها من ضيع وعقار إلى الآن . * * * من أخبار هولاكو في بغداد وحكى أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري في كتابه المسمّى « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار » في ترجمة صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر المويسيقي قال : ذكر العم حسن الأربلي في تاريخه قال : جلست مع صفيّ الدين عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية ، وجرى ذكر واقعة بغداد ، فأخبرني أن هولاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءها ، وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت ذوي يسارها على أمراء دولته ، فقسّموها ، وجعلوا كل